موقع الصحفي صادق سريع

يمني

الجمعة، 8 أبريل، 2011

التدوير الوظيفي.. الرجل المناسب في المكان المناسب

صنعاء (السياسية):صادق سريع


ضمن مصفوفة الإصلاحات الإدارية والمالية التي تضمنها البرنامج الرئاسي، جاءت التعهدات بتحديث الإدارة الحكومية، وتطوير نظام تدوير الوظيفة العامة في المراكز القيادية، والذي يأتي في إطار وضع معالجات حقيقية لرفع كفاءة استخدام الوظائف الحكومية، والوقاية من الفساد، وتجاوز البيروقراطية الإدارية المفرطة في النظام الوظيفي اليمني. فلأولئك الموظفين المحبطين، قد تكون هذه هي الفرصة المواتية ليكونوا في مواقع فشلوا بشتى الوسائل في الوصول إليها، فكان الإحباط شريكهم للتحول مع طابور طويل من المستميتين في الوظائف الحكومية مقابل لا شيء.

يقول وكيل وزارة الخدمة المدنية لقطاع شؤون الأفراد، نبيل شمسان: "نظام التدوير بمفهومه العام، يعتبر حلقة من حلقات توصيف الوظيفة العامة. بمعنى أنه يجب أن يكون للوظيفة فترة دوران لشغلها بحيث تبدأ من أدنى وظيفة في أسفل السلم إلى أعلى وظيفة في رأس السلم الوظيفي". وبحسب مشروع التدوير، فإن النظام سيشمل كافة الموظفين باستثناء الوظائف الإدارية التخصصية العليا، التي سيتم تدويرها في إطارها فقط وليس في إطار خارجي.

يقول شمسان: "الوظائف الفنية مثلا لا تقبل التدوير إلا في إطارها، وينطبق هذا على الوظائف غير المحتكة بالجمهور كالوظائف البحثية". أضاف: "الوظائف التي ستخضع للتدوير هي الوظائف المرتبطة بالمال العام بدرجة رئيسية". وبين شمسان أن السبب في عدم تدوير الوظائف الفنية يكمن في ضرورة الاستفادة من التراكم المعرفي، فضلا عن أنها وظائف غير مرتبطة بالمال العام أو تقديم الخدمات، ولا تحتك بالجمهور.

ويرى شمسان أن تدوير الموظف الفني "سيكلف الدولة الوقت والمال لإيجاد البديل؛ لأن الهدف من التدوير الوظيفي هو تحسين الأداء الوظيفي والكفاءة الإنتاجية، والقضاء على الفساد".

ذلك من المتوقع أن يولد هذا النظام حركة مستمرة، وتحفيز الموظف على التطوير حتى لا يكشف عجزه الموظف الذي يليه. لكن هذا النظام سيرتبط بمعايير دقيقة في الترقيات والتعيينات، "بمعنى أنه لن يتم تعيين مدير إدارة ما لم يكن قد شغل منصب رئيس قسم"، بحسب وكيل الخدمة المدنية. ويأتي نظام التدوير ضمن واحدة من أهم مراحل تحديث الخدمة المدنية وإصلاح الإدارة الحكومية في اليمن، والتي أدت في مراحلها السابقة إلى تقدم مقبول في جوانب تنظيف كشوفات المرتبات من الموظفين المزدوجين والوهميين والذين يستحيل تدوير وظائفهم ضمن وحدتين مختلفتين. يقول شمسان، إن الفترة الزمنية للتدوير الوظيفي تختلف من وظيفة إلى أخرى؛ ففي الوظائف الإدارية ستكون فترة تدويرها أربع سنوات، وسنة لموظفي التفتيش والفحوص الضريبية.

وهناك تدوير على مستوى اليوم في الوظائف الإدارية الخاصة بالمنافذ الجمركية والموانئ والمطارات التي تختص بعملية التفتيش. وأضاف: "الثبات الحالي في الوظيفة العامة أوجد علاقات فساد بين الموظف العام والمستفيدين من الخدمة، وبالتالي فإن تحريكه أصبح ضرورة"؛ لأن بقاءه يخلق بيئة ملائمة تمكنه من الإحاطة بمجمل الأمور اللازمة للاحتماء بها.

ويرى مختصون أن هذا النظام سيمثل فرصة مناسبة لتحفيز أداء الموظفين الحكوميين. كما سيكون هو الإجراء الأكثر فعالية لمكافحة الفساد ومد الجهاز الإداري بالكوادر المؤهلة التي يحتاجها لقيادة مؤسسات إدارية تعاني التضخم الوظيفي غير النوعي منذ دمج النظامين الشطريين عام 1990. يقول مدير مشروع ماجستير إدارة الأعمال، في كلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء، الدكتور صائب سلام: "التدوير الوظيفي نظام جيد، ومن الأدوات الفعالة لمكافحة الفساد، ويفترض أن يحدث هذا النظام نوعا من التغيير في النظام الوظيفي والإداري مستقبلا".

ويضيف: "نظام التدوير يعتمد على نوعية الوظيفة والموظف بدرجة أساسية، وبالتالي لا بد أن يكون الموظف القيادي مناسبا للوظيفة، لا أن تكون الوظيفة مناسبة للموظف". وأوضح سلام أن تحديد الفترة الزمنية للتدوير الوظيفي (بأربع سنوات)، تمت بناء علي دراسات نفسية وسيكولوجية للإنسان، ومدى قدرته على العطاء، وتحقيق الأهداف المرجوة. وقال: "الدراسة التي أجريت في الدول الغربية توصلت إلى أن الفترة الزمنية المحددة هي الفترة المعنوية والمعقولة للفرد أو الموظف لكي يظهر قدراته ومهنيته في الوظيفة، منوها بأن الموظف الذي لم يحقق النجاح خلال هذه الفترة، فلن يستطع تحقيق أي تقدم بعد ذلك، ليبدأ ظهور البوادر السلبية في أدائه التي ستساعد على تحفيز من هم أدني منه. وتابع: "يجب أن يحفز الموظف الناجح في وظيفته، فتضاف إليه مهام في وظيفته، أو يرقى إلى وظيفة أرفع". لافتا إلى النتائج العكسية التي قد تحدث في حالات عدم الاهتمام بالموظف الجيد.

وهو يرى أن البيئة الحكومية الإدارية التي تفرض شروطها على كل موظف هي السبب في وجود إدارة وظيفية سيئة، "كما أن الملل يدمر الإبداع في كل المجالات".

الموظف محمد المطري (يعمل مراقب دوام بوزارة الزراعة)، قال إن التغييرات المتعاقبة في نطاق وزارته لم تكن عادلة ولا منصفة على الدوام. وأضاف: "تغيير المدراء السابقين خلّف وزارة ميتة عديمة الحراك، ونأمل أن يكون هناك تقييم قبل التغيير غير ما هو معمول به اليوم.

لكن زميله في الوزارة نفسها، ردمان حيدرة، يعتقد أن التدوير أو التغيير الوظيفي لا يأتي إلا بالأفضل، ويكسر الملل الذي يخلفه بقاء الموظف لفترة طويلة. "ومع ذلك ينبغي أن يكون الاختيار من الموظفين الذين لديهم الخبرة الكافية، وليس الشلة أو الأطفال".

وتقوم وزارة الخدمة المدنية حاليا على إعداد نظام عام للتوصيف الوظيفي يحدد شروط ومواصفات وواجبات ومسؤوليات كل وظيفة، كما يحدد الموظف الذي تنطبق عليه شروط شغلها. وهذا يعني أن التدوير سيخرج من إطار وظيفة محددة إلى جميع الوظائف التي تتساوى في معايير شغلها وشروطها.

وأوضح وكيل الخدمة المدنية، أنه في كل عملية تدوير سيرقى موظفون إلى الأعلى بالاعتماد على مخرجات أو نتائج كل موظف في وظيفته. "هناك موظفون سيتحركون أفقيا، وآخرون قد ينزلون إلى الأدنى، كما أن بعض الموظفين قد يحرمون من ممارسة أي وظيفة نهائيا". وأشار إلى أن الضمانات ستكون مكفولة من خلال التوصيف كأساس لتقييم الموظفين، فهناك خطط وبرامج ومسؤوليات ومعايير وشروط محددة لشغل الوظيفة، وجميعها ستخضع للرقابة وتقييم الأداء. كما أن الرقابة ستكون تدريجية من الأعلى إلى الأدنى، وتقع المسؤولية عل كل مسؤول مباشر وكل إدارة معينة، إضافة إلى إدارات شؤون الموظفين داخل الجهات. وبين شمسان الجوانب المادية للتقييم والتي تمثل المسلمات الأولية وتتعلق بمدى الالتزام في العمل ومعيار الحضور والانصراف، إضافة إلى المظهر الخاص للموظف والسلوك الحسن والأخلاق العالية. أما الجوانب العملية فهي الأداء الوظيفي نفسه. وأشار إلى أن هناك حوافز لمكافأة الموظفين، بحوافز معنوية أو مادية أو إضافة مهام جديدة... الخ.


مشيرا إلى أن المؤهل العلمي شرط أساسي لشغل الوظيفة. وقال: "إن هناك نوعين من الوظائف التي لها علاقة بالمؤهل، وهناك بعض الوظائف التي لها شرط حتمي ولا يمكن أن تشغل بدون مؤهل حتى لو كان الشخص عنده قرار يصدر من رئيس الجمهورية، وتلك الوظائف التخصصية البحتة". وزاد: "ليس الغرض من التدوير الوظيفي تحريك موظفين، ولكن للتوصيف الوظيفي وتقييم الأداء". مضيفا أنه تم الاستفادة من تجارب عالمية: ماليزيا وكندا والدول الغربية الصديقة. وعن موعد تطبيق نظام التدوير الوظيفي، قال: "نحن الآن بصدد الانتهاء من الإعداد، وإن شاء الله سيتم تطبيق نظام التدوير الوظيفي بداية عام 2008.


ـ ويقول الموظف محمد نهشل -كلية الإعلام: "إن التدوير الوظيفي يجب أن يراعي الوظائف التي لها علاقة ذهنية بالموظف نفسه، نظرا لعدم وجود الحاسوب في جميع الإدارات، وإلا سيحدث إرباك في الأداء الوظيفي". مضيفا أن التدوير للقيادات الإدارية يأتي بالايجابيات الكثيرة، ويحمل أفكارا جديدة. وأشار إلى أن التدوير للوظيفة الإدارية سيكون حافزا كبيرا لجميع الموظفين ويرفع من أدائهم.

وقال: "نتمنى تطبيق النظام لما فيه مصلحة الوظيفة والموظف على السواء". ـ ومن جانبه أوضح بشير قسوة (موظف بكلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء)، أن النظام يبحث عن الكادر الأفضل والذي سيمكن كل موظف من أخذ فرصته وإبراز قدراته. وقال إن النظام الوظيفي المعمول به حالياً لا يفيد الوظيفة العامة ولا يرفع من أدائها؛ كونه يتصف بالثبات، وإن وجد التغيير فإنه بحسب الظروف والمتغيرات في رئاسة المؤسسة، كما لا توجد آلية تنظمه في إطار محدد. وطالب الجهات المعنية بالإسراع في تطبيق النظام الوظيفي بالشكل الأمثل لما له من مردود إيجابي على الأداء الوظيفي.


الاستمرار الروتيني الضمير الحي


ـ ويرى د/ عبد الكريم الروضي (الأمين العام المساعد بجامعة صنعاء) أن "التدوير الوظيفي للإدارة العامة القيادية هو محاربة الفساد وتجديد دماء جديدة بالكادر الوظيفي من القيادات الشابة والمؤهلة". مشيرا إلى أن المعيار الأساسي لتولي الإدارة الوظيفة هو الوطنية (الحس الوطني) والضمير الحي، إضافة إلى المعيار العلمي والمهني التخصصي ناهيك عن التراكم المعرفي للموظف (الخبرة). وقال: "إن التدوير سيكون حافزا للموظفين مما ينتج عنه النجاح والنهوض بالمؤسسات. كما أنه سيخلق الثقة للموظف الذي يتم تدويره وترقيته. والنتيجة إيجاد موظف قادر على الإبداع والتحديث في مجال وظيفته". وأضاف قائلا: "إن نظام التدوير سيقصي المفسد ومن يساهم في مساعدة المفسدين".

ـ ومن منظور سياسي


قال د/ حكيم السماوي (أستاذ العلوم السياسية بكلية التجارة والاقتصاد بجامعة صنعاء): "التدوير هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، أو تنقل الكادر الوظيفي في الإدارات الوظيفية بغرض اكتساب المهارات ولتفادي احتكار المناصب القيادية والخبرة لأشخاص بحد ذاتهم ولفترة طويلة". مضيفا أن بقاء الموظف في وظيفته يخلق حالة من الركود في الأداء كما يخلق علاقات قوية بين الموظف مع من حوله مما يترك لديه حالة من الاطمئنان، وهذا يعود بنتائج سلبية على أداء الموظف. وأضاف: "إن الجانب السياسي الموجود يؤثر على مبدأ التخصص المهني والعلمي، كأن يوظف موظفون في جهات غير تخصصهم العلمي ولكن لغرض سياسي بحت". مشيرا إلى أن السياسة تؤدي إلى عدم الاحترام للأقدمية العلمية، و"خصوصا في جامعة صنعاء". مطالبا الجهات المعنية بتطبيق نظام التدوير لما له من مردودات ايجابية للوظيفة والموظف، على أن يكون الهدف تنظيم الأداء الوظيفي وليس الأنظمة السياسية.


ـ من جانب آخر، يرى الأستاذ محمد النعماني أن "السلطة ما زالت عاجزة تماما عن تنفيذ برنامج الرئيس الانتخابي"، مشيرا إلى أن هذا البرنامج لا يزال حبرا على ورق ولم ير النور بعد. ويضيف النعماني في مقال نشر في موقع "الحوار المتمدن" الالكتروني، أن تدوير الوظيفة في الأنظمة الديمقراطية يعتبر من الآليات الناجحة والمجربة في الحد من الفساد. معتبرا أن الموظف الذي يبقى أكثر من أربع سنوات في موقعه يكون قد أوجد شبكة مصالح هائلة ومتينة تمنع إمكانية الإصلاح في ظل الموظف العام الذي تستند في فسادها إلى مظلته الحامية. فضلا عن علاقة ذلك التدوير بعملية التغيير والتجديد والإبداع. التدوير الوظيفي لا يكفي!

وعن موقف حزب رابطة أبناء اليمن (رأي) قال أمين عام الحزب، محسن محمد أبو بكر: "لا شك أن برنامج الرئيس الانتخابي قد شمل كثيرا من القضايا الخاصة بالإصلاح في بلادنا، ومجال الإدارة وتدوير الوظيفة العامة هي إحدى هذه القضايا". مضيفا أن المهم في الأمر ليس ما هو مكتوب في البرنامج، ولكن المهم تطبيقه على أرض الواقع بشكل صحيح. مشيرا إلى أن الحزب (رأى) قدم مشروعا شاملا للإصلاح في اليمن، أحد أركانه رؤية الحزب حول ضرورة استقلالية الخدمة المدنية. مطالبا بأن تكون الخدمة المدنية (المنظمة للإدارة والوظيفة العامة) هيئة مستقلة بعيدة عن هيمنة الحكومة والحزب الحاكم، أيا كان هذا الحزب.

وعبر هذه الهيئة المستقلة يمكن اختيار خيرة كفاءات البلاد لتولي المناصب المختلفة في الدولة وتدويرها بعيدا عن المحسوبية والموالاة القبلية أو المناطقية. مشيرا إلى أن الكفاءة هي المعيار الوحيد لاختيار الموظفين. وأشار إلى أن الإصلاح في الجانب الإداري وتدوير الوظيفة العامة لا يكفي، وتحتاج البلاد اليوم لإصلاح شامل في منظومة الحكم ككل. وقال: "إن المعالجات الجزئية لا تكفي ولا تشفي الإدارة. تدوير الوظيفة العامة هو بمثابة غرفة واحدة في منزل كبير في حاجة لإصلاح قواعده وأعمدته وكل أجزائه، والإصلاح الإداري للإدارة وتدوير الوظيفة العامة إذا ما تم في إطار الإصلاح الشامل فإنه مفتاح التنمية في بلادنا، ولا يمكن أن تتم تنمية حقيقة بدون أن تكون هناك إدارة سليمة والفرصة مهيأة للانطلاق ولكن هل توجد إرادة سياسية".


ومن جانبه قال رئيس الإدارة والخدمات بالأمانة العامة للمؤتمر الشعبي العام، علي الخضمي: "إن الإدارة السياسية لإصلاح جميع الاختلالات وتحديث الإدارة وبناء دولة المؤسسات موجودة، ضمنها برنامج الرئيس حفظه الله، الذي نال به ثقة جماهير شعبنا اليمني، وتنفيذ نظام تدوير الوظيفة العامة جزء من النظام الإداري". مضيفا أن النظام لا بد أن يأخذ وقتاً ليس بالقصير لتهيئة البنية الأساسية والتحتية ودراسة مدى ملاءمته مختلف الجوانب الإدارية والقانونية... الخ. مشيرا إلى أن تحديث الإدارة العامة أخذ النصيب الأكبر في البرنامج، باعتبارها القلب النابض لبناء الدولة الحديثة. معتبرا من يشكك في تطبيق البرنامج أنه يفسر كل ما يرى ويسمع من واقعه الذي هو فيه. وقال: "مثل هؤلاء ينظرون دائما بعيون البصير لا بعين المبصر، ألا يرى منجزات ملموسة في مجالات عديدة؟! هل أنكروها من الوجود أو أنهم يحاولون تشويه واقعها وطمس معالمها؟ وقد تعودوا على ذلك. لكن الواقع الملموس وجماهير شعبنا اليمني كانت لكل من يحاول ذلك بالمرصاد".

بشرى للموظفين


وأخيرا جاء الإنصاف للموظفين الذين يشكون من التهميش أو من يعانون من احتكار الوظيفة العامة. فقد بدأ العد التنازلي واقترب وقت التنفيذ لنظام التدوير، الذي سيعتمد على أداء الموظف في الأساس، وبموجبه سيطبق نظام الثواب والعقاب. وحينئذ ستصبح الكرة في ملعب الموظف، فإما أن يركلها إلى مرمى الخصم، وإما يركلها الخصم إلى مرماه، والنظام هو الحكم.

التسميات:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

نصية

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية